لكل إنسان سليم الحس أن يستمتع و أن ينتشي و أن يطرب لقديم الشعر، الذي هو المعين الفياض لكل مبدع و مثقف ، و هو أمر لا يختلف عليه اثنان ، لكن نوع الاستمتاع يختلف وفقاً لنوعية المتلقي و تكوين ذائقته و ثقافته ، و الاستمتاع بقديم الشعر لا يتناقض مع الخروج عليه و الإتيان ببديل عنه ، و لا يستلزم كذلك الوقوف عند حده و لزوم أفقه دون التطرق و التعامل مع ما خالفه من الشعر فالشعر القديم قام و بني على بنية غنائية لغوياً تطريبة إيقاعاً إعتماداً على إثارة الحواس المباشرة دون إثارة الفكر أو تحفيز الذهن ، و ذلك من خلال النبرة العالية و الخطاب . فالذائقة الجماهيرية بطبيعتها التقليدية ، و نتيجة لتراكمات ما سبق و تحدثنا عنه من دور الأجهزة الإعلامية و التعليمية ، تنشد في الشعر غنائيته و مباشرته ، إذ لم يعد لدى المتلقي صبر لمجالسة الكتاب أو لتحليل شفرات النصوص الأدبية الحديثة ، و لأن الناس دائماً أعداء ما جهلوا و ما لم يعتادوا ، فإن الذائقة الجماهيرية أصبحت تنفر من تلقي الأدب الحديث الذي يخاطب الخيال و الروح ، بدلاً من مخاطبة الأذن و الحواس ، و صارت أميل إلى تلقي القوالب المجانية الجاهزة و المكرورة و التي يجترها شعراء العربية من منذ وجدت العربية و حتى يومنا هذا بدعوى المحافظة و الأصالة ، التي هي الحجة الجاهزة الرائعة لكل راغب عن المحاولة و عن الاعتراف بالجهالة ، و لا زال المتلقون و أنصاف المثقفين يرددون بلا وعي الجمل الاستهلاكية الجاهزة حول الشعر الذي يخاطب الروح مباشرة و ينفذ إلى الوجدان دون عسر ، فيحرك المشاعر و يهيج العاطفة و يطرب الأذن ...بينما الشعر الآخر معقد مطلسم (لأن الشاعر هو الرديء و ليس لأن المتلقي هو المعتز بجهله و الحريص عليه ) كما أنه خالٍ من الإيقاع المبهج الذي يجذب الأذن و يطرب الروح ، ووصل الشطط بالبعض حتى أفتى بعض علماء السعودية بحرمة الشعر الحديث ، و هو أمر مضحك للغاية و أتفه من أن يحتاج لتعليق . في عام 1949 خرجت على الناس الأستاذة نازك الملائكة بكتابها الشهير " قضايا الشعر العربي المعاصر" ، و الذي كان التنظير الأول لما عرف فيما بعد بشعر التفعيلة أو الشعر الحر ، و الذي اعتمد على البحور الصافية و عدم الالتزام بنظام الشطرتين و وحدة القافية و الالتزام بعدد ثابت من التفاعيل في كل بيت ، و قامت الدنيا و لم تقعد بين مرحب و معارض ، غير أن المنطق انتصر في النهاية لحتمية التطور الذي نادت به نازك و جيلها، و الذي خرج عما رسمته هي بطبيعة الحال و كان موضع انتقادها و اعتراضها كما جرت العادة . و منذ هذه اللحظة بدأ الشعر يتخلى عن دوره التطريبي الغنائي ليدخل مرحلة الواقعية الأولى ، ليقاتل من أجل حرية الإنسان و الوطن ، و من أجل مثلث القيم الأفلاطونية التليدة ، في مرحلة غنية بالوطن عامرة بأحلامه و طموحاته و هي مرحلة الستينات ، التي قد يعتبرها البعض آخر العصور الذهبية للشعر العربي حتى إشعار آخر . و كان لانهيار هذه الأحلام و ما تبعها من انهيار للحلم/الوهم الإشتراكي في الشرق الأوسط بعد النكسة أثره الفعال في الثورة و الخروج على كل ما هو مألوف و نمطي ، بل و متعارف على صحته أيضاً ، و في ظل غيبوبة كاملة لأي فعل ثقافي إسلامي أو حتى أخلاقي أو قيمي ، ظهر جيل المهزومين ، جيل السبعينات ، جيل بلا أخلاق و لا مبادئ و لا أساتذة ، و إلى هنا نتوقف حيث لم يعد من هذه اللحظة ثمة توجه أدبي أو ثقافي متزن ، و كل من أصبح شاعراً حقيقياً أثناء ذلك أو بعده ، كان مجرد صدفة استثنائية ، إذا سلمنا بأنه عُرف بعد ذلك شاعر حقيقي أصلاً ، حسناً دعونا نكن محايدين ، و نقول أن جيل السبعينات و هو آخر المعروف و المطروح حالياً لدينا سبق هذ1 كله ، على سبيل الحياد التاريخي و ليس الاعتراف بهذا الجيل ، من وجهة نظري على الأقل ، و للحديث في هذا الصدد موضع لاحق . مع انقضاء حقبة الاشتراكية ، و مع تزايد الشعور العام بالتهميش لدى جمهور المبدعين و المثقفين ، و مع تعاظم الهم الاجتماعي الحياتي بدأ الأدباء يفكرون بشكل مختلف و يكتبون كذلك بشكل مختلف ، و بات من العسير جداً ، بل و من قبيل الترف الفكري و الوجداني أن ينشغل المبدع بقضايا كبرى ،و باتت الصورة الثابتة و المتحركة تنوب عن أي تعبير لغوي و تقطع قول كل خطيب. فضلاً عن ازدياد الشعور بالعجز عن تقديم أي جديد يخص هذه القضايا بخلاف ما بتداوله الناس في أحاديثهم و ما تنقله الصحف ووسائل الإعلام ، فقد بدأ الشعراء يفطنون إلى واقع جديد لم يعد فيه الشاعر مركزاً للكون ، و لم يعد الشعر هو وسيلة الإعلام الرئيسية كما كان في العصور الغابرة ، في ظل وجود وسائل إعلامية و تأريخية أخرى ، و من نافل القول أنه لم يعد مقبولاً أن يظل الشاعر مجرد ورشة لصناعة الأغنية و هو الدور الوحيد الباقي للشعر ، حيث تطورت المفاهيم و الرؤى مع تطور العلوم الإنسانية مثل الفلسفة و علم النفس ، و تطورت المفاهيم البلاغية كذلك عما كان سائداً من قبل ، و بينما استفاد كثيرون من هذه المنجزات الثقافية العالمية ، لازال الغرور العربي الأصيل يمنع البعض من تقبل مثل هذه الإستفادات ، و لا زال هذا الغرور يغطى بتفسيرات مؤامراتية واهية ووهمية . من الواضح إذاً أن الذائقة الشعبية في العالم العربي تخضع خضوعاً تاماً لسيطرة وجهة التوجه الإعلامي العام كما هو الحال في معظم القضايا الثقافية ، ما لم يتعارض ذلك أو يشتبه تعارضه مع القيم المجتمعية الأساسية سواء الدينية أو الاجتماعية. من زاوية أخرى يمكن إرجاع تلوث أو ضحالة الذائقة الجمعية إلى نتائج تراكم الفساد الإداري في الأجهزة الإعلامية العربية الرسمية منذ عصور طويلة ، حيث الغلبة داخل الأجهزة الإعلامية متركزة في الغالب على أصحاب الأفكار السطحية الإستهلاكية و التي تعتمد على الترويح و الإمتاع (التخدير) لا التثقيف ، و ذلك في ظل غياب أو إبعاد أغلب أصحاب المفكرين بصفة عامة و أصحاب التوجهات التجديدية الذين هم غالباً مناوئون للمؤسسات و النظم الحاكمة ، و مع التحول إلى المجتمع النخبوي من جديد في بعض الدول ، و استمرار النخب التقليدية في الإمساك بالسلطة في باقي الدول العربية ، أصبح أغلب الجيل الجديد من الإعلاميين ا هم غالباً من أبناء الإعلاميين القدامى ، أو أبناءو أقارب كبار المسئولين و رجال الأعمال و أغلب هؤلاء لا يملك من الوعي الثقافي ما يؤهله لتولي هذه المواقع ، و من هم بخلاف ذلك فاغلبهم من الحرس القديم الذي لا يملك القدرة على التجديد ، مما يضطرهم إلى الاحتماء بدرع " المحافظة و الأصالة " ، و هذه سنة الحياة الثقافية و ليست عيباً في ذوات معينة التلقي .. مقدمة
.
.
الاثنين, 10 سبتمبر, 2007
أضف تعليقا
اضيف في 10 سبتمبر, 2007 04:52 م , من قبل bareoetic
الأخت حلا
شكراً لطيب مرورك و أتمنى أن تشرفي مدونتي و فروعها بزيارتك وتعليقاتك.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









أود أن أهنئك على هذه المدونة وأرحب بك في عالم التدوين فأهلا وسهلا بك معنا.
أتمنى لك رحلة تدوينية مشوقة.
حلا