أشياء أخرى
مقالات و ملخصات و مراجعات
.
.

أمير البكائين: عروة بن حزام

عروة بن حزام

 

أفي كل يوم أنت رام بلادها                 بعينين إنسانا هما غرقان!

ألا فاحملاني بارك الله فيكما           إلى حاضر الروحاء ثم ذراني
------------------------------------------------

 

هو عروة بن حزام بن مهاصر، من بني حزام بن ضبة بن عبد بن كبير بن عذرة شاعر إسلامي، أحد المتيمين الذين قتلهم الهوى، لم يبق من شعره غير غزليات رقيقه مما قاله في عفراء بنت عمه عقال بن مهاصر . وكانا في أول أمرهما طفلين يلعبان معاً، حتى ألف كل واحد منهما صاحبه. وكان عقال يقول لعروة: أبشر، فإن عفراء امرأتك إن شاء الله .

على أن أم عفراء لم تكن على الرأي نفسه بل كانت تتمنى لابنتها رجلا ًميسور الحال وافر الثراء لما كانت عليه من جمال الخلقة و كمال الخلق.

 فلما كبر عروة وبلغ أشده عرف أن رجلاً من قومه ذا يسار ومال كثير يخطبها، فأتى عمه يستعطفه، فرق له وقال له : يا بني أنت معدم وإني لست مخرجها إلى سواك، وإن أمها قد أبت أن تزوجها إلا بمهر غال، فاسع واسترزق الله تعالى.

فجاء إلى أمها فألطف القول لها و استعطفها ، فأبت أن تجيبه إلا بما تحتكمه من المهر، وبعد أن يسوق شطره إليها، فوعدها بذلك. وعلم أنه لا ينفعه قرابة ولا غيرها إلا بالمال الذي يطلبونه، فعمل على قصد ابن عم له موسر كان مقيماً باليمن حتى إذا قدم عليه، وصله وكساه، وأعطاه مائة من الإبل، فانصرف بها إلى أهله.

 وقد كان رجل من أهل الشام قد نزل في حي عفراء وكان ذا مال عظيم ، فرأى عفراء، وكان منزله قريباً من منزلهم، فأعجبته وخطبها إلى أبيها، فاعتذر إليه بما كان بينه و بين عروة من اتفاق ، فعدل إلى أمها، فوافق عندها قبولاً، فأجابته ووعدته ، وجاءت إلى عقال فقالت: أي خير في عروة حتى تحبس ابنتي عليه وقد جاءها الغني يطرق عليها بابها؟ والله ما ندري أعروة حي أم ميت؟ وهل ينقلب إليك بخير أم لا؟ فتكون قد حرمت ابنتك خيراً حاضراً ورزقاً سنياً ، فلم تزل تحتال عليه حتى قبل خطبة الرجل فأجابه وزوجه ، وحولت إليه عفراء .

 

و دخل بها زوجها ثم رحل بها إلى الشام، وعمد أبوها إلى قبر عتيق، فجدده وسواه، وسأل الحي كتمان أمرها . وقدم عروة بعد أيام، فنعاها أبوها إليه، وذهب به إلى ذلك القبر، فمكث يختلف إليه أياماً وهو مضنى هالك، حتى جاءته جارية من الحي فرقت له و أخبرته الخبر ، فتركهم وركب بعض إبله، وأخذ معه زاداً ونفقة، ورحل إلى الشام فقدمها وسأل عن الرجل فدل عليه، فقصده وانتسب له إلى عدنان ، فأحسن ضيافته، فمكث أياماً حتى أنسوا به، ثم قال لجارية لهم: " هل لك في يد تولينيها ؟ قالت: نعم، قال: تدفعين خاتمي هذا إلى مولاتك. فقالت : سوءة لك، أما تستحي لهذا القول؟ فأمسك عنها، ثم أعاد عليها وقال لها: ويحك! هي والله بنت عمي، وما أحد منا إلا وهو أعز على صاحبه من الناس جميعاً ، فاطرحي هذا الخاتم في صبوحها ، فإذا أنكرت عليك فقولي لها: اصطبح ضيفك قبلك، ولعله سقط منه. فرقت الأمة وفعلت ما أمرها به.

فلما شربت عفراء اللبن رأت الخاتم فعرفته. فلما جاء زوجها قالت له: أتدري من ضيفك هذا ؟ قال: نعم، فلان بن فلان فقالت: كلا والله يا هذا ، بل هو عروة بن حزام ابن عمي، وقد كتم نفسه حياءً منك ، فدعاه وعاتبه على كتمانه نفسه إياه ، وقال له: بالرحب والسعة، وتركه مع عفراء يتحدثان وأوصى خادماً له بالتنصت عليهما ، فلما خلوا تشاكيا ألم الفراق و مرارته فطالت الشكوى وهو آخذ في بكاء حار، ثم أتته بشراب وسألته أن يشربه، فقال: والله ما دخل جوفي حرام قط، ولا ارتكبته منذ كنت، ولو استحللت حراماً لكن قد استحللته منك وقد أجمل هذا الرجل الكريم وأحسن، وأنا مستحيي منه، و والله لا أقيم بعد علمه مكاني ، وإني عالم أني أرحل إلى منيتي. فبكت وبكى، وانصرف.

فلما علم زوج عفراء بما دار بينهما تأثر أشد التأثر فقدم على عروة و هو عازم على الانصراف وقال له: يا أخي ، أتق الله في نفسك، فقد عرفت خبرك، وإنك إن رحلت تلفت، و والله لا أمنعك من الاجتماع معها أبداً ، ولئن شئت لأفارقنها ولأنزلن عنها لك. فأثنى عليه وقال: إنما كان الطمع فيها آفتي، والآن قد يئست، وقد حملت نفسي على اليأس والصبر، فإن اليأس يسلي ، ولي أمور، ولا بد لي من رجوعي إليها.

 فلما رحل عنهم و ساءت حاله  فكان كلما أغمي عليه ألقي على وجهه خمار لعفراء زودته إياه فيفيق.  فلم يزل في طريقه حتى مات قبل أن يصل إلى حيه بثلاث ليال، وبلغ عفراء خبر وفاته، فجزعت جزعاً شديداً، وقالت ترثيه:
 

                     ألا أيها الركب المخبون ويحكم        بحق نعيتم عروة بن حزام؟

                 فلا تهنأ الفتيان بعدك لـــذة         ولا رجعوا من غيبة بسلام

                و قل للحبـالى: لا ترجين غائباً        ولا فرحــات بعده بغلام
 

قال: ولم تزل تردد هذه الأبيات وتندبه بها، حتى ماتت بعده بأيام قلائل.

 

 

 

 

                             أحمد البربري

شاعر و كاتب مصري

bareoetic@hotmail.com

 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.