أشياء أخرى
مقالات و ملخصات و مراجعات
.
.

الليل و الليل المضاد

هذا الموضوع قدم ضمن الورشة الشعرية لمنتدى إنانا الأدبي حول محور قراءة الشعر
 
تصدير:
ربما كان إهداراً للوقت و للذات .. و حسن ظن في غير محله
و لكنه جهدي على أي حال ... و لن أقتله لأجلك
 
إهداء:
إلى الجميلة إنانا و الجميل مراد العمدوني ...
هذا جهدي أيضاً و لن أتبرأ منه لأنه كان في الإتجاه الخطأ
 

 

قراءة في نص "بعد اعتقال الليل"
بقلم: أحمد البربري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مدخل:
في هذه الورقة أستعرض عبر قراءتي للنص المشار إليه مدخلاً مبسطاً لفهم بعض الآليات الشائعة لقراءة النصوص الشعرية، مع ملاحظة أننا نقدم هنا قراءة وليس شرحاً .. فكما أن القصة الجيدة لا يمكن إختزالها .. فكذلك القصيدة الجيدة لا يمكن شرحها .. بل لعل القصيدة التي تقدم طرحاً قابلاً لعدة تأويلات مختلفة قد تحمل من مقومات النجاح ما يفوق سواها.

هامش:
كان تماس الشعر بالفلسفة و الذي تجلى تأثيره ابتداء من العصر العباسي بداية لمنحنى جديد في مسار الشعر العربي، و بدأت ظاهرة الغموض – نسبياً- تظهر في أعمال كبار الشعراء في العصور القديمة كأبي تمام و المتنبي .... و بدأ يتأكد تدريجياً ما صار في أيامنا الحالية شائعاً أن القصيدة الجيدة لا تمنح نفسها كلياً من القراءة الأولى ، و من هنا بدأت قراءة الشعر تتحول إلى عمل شاق و ممتع في الوقت ذاته، إلا أنها في الوقت نفسه بدأت تنأى به عن رضا القاريء التقليدي الذي لا يمتلك وعياً كافياً و خبرة بالكتابة.


بعد إعتقال الليل – حمدي علي الدين
العنوان مدخلاً..
من المتعارف عليه أن العنوان هو بوابة النص الأدبي .. و بالتالي فإن القاريء ينتظر من العنوان أن يمنحه بعضاً من مفاتيح النص و مصابيحه .. و يحتاج في الوقت نفسه لأن يدهشه العنوان و يضيء في عقله علامات استفهام يبحث عما يطفئها داخل النص ... و عادة ما يحاول الشاعر أن يقدم للقاريء ما يطلبه .. أو أن يصدمه بخبث محترف ليفاجئه في النهاية بأن العنوان كان شركاً مخادعاً لتهيئة تضليل المتلقي ليكون مثالياً لاستقبال صدمة دهشة أو مفارقة ما ...

عند استنطاق عنوان (بعد اعتقال الليل) قبل الولوج إلى قصيدة حمدي علي الدين نجد أن العنوان يحيلنا إلى التأهب لاستقبال حالة محملة بهم ثوري رفضي بطلها الرمزي هو الليل،... الليل: ليل العاشقين الساهرين؟ ، أم ليل الرافضين؟، أم ليل اللصوص و المتآمرين؟ ... أم الليل نقيضاً للنهار .. معادلاً للهم الخاص و الكآبة الذاتية؟ أم الليل/ السبات نقيضاً للنهار/ المعاش ؟... و هنا يبدأ لا وعي المتلقي في حذف باقي الدلالات التي قد يستدعيها رمز الليل المتخم بالإحتمالات في حد ذاته ..ليستبقي الإحتمالات التي تدعمها فكرة الإعتقال ... و يبقى التداخل مع بعض الإحتمالات الأخرى قائماً لحين عبور النص...

بعد إعتقال الليل – شعر حمدي علي الدين

الليل مثلي تماما
لايغمض عينيه عن الحزن
عندما ينام
ولايتثاءب كلما يتذكر
أن الشمس تركت له سريرها
في النصف المطلق
من الرفض

هنا ليل حمدي علي الدين الخاص/ العام ...المتخم بالإحالات يربكنا بإستدعاء مزيج من الدلالات اللصيقة بالليل و التي سبق استدعاؤها من العنوان .. ليضعنا أمام حالة من مزيج الدلالات التي تفضي إلى دلالة أخرى أكثر عمقاً الليل معادلاً للروح الشاعرة / المواطنة .. بنبل حزنها و بهمها العام و ثوريتها و بذاتيتها المفارقة و بناسوتيتها التقليدية.
هنا نجد الليل بالإضافة إلى ما تقدم ...حالة مفارقة في ضديتها للنهار بشمسه ... التي يحولها النص إلى معادل لليومي المسيطر الحاكم وصاحب القرار ... فالشمس هي التي تقرر " أن تترك سريرها في النصف المطلق من الرفض" ... الشمس هي التي تقرر حتى ناموس وجودها و وجود الليل ضداً / معارضاً لها .. و في المقابل فإن الليل الثائر لا ينخدع لهذا التنازل السلطوي ...و لا يتثائب راضياً قرير العين ....

يعرف حين يرى
ديوك الحداد
تصعد سلم المنازل
أنه سيتناول مثل كل أصدقائه
حبة المهديء
قبل أن يسمع البيان الحكومي
محاولا
كأي عاقل مستأنس
حشو عينيه بأحلام
لاتنزف،

 

 

 

 


و استمراراً لهذه الحالة المفارقة في مقابلة الليل بالنهار في رؤية الشاعر فإن الديوك التي هي من رموز الإشراق تصبح ديوكاً للحداد ... و تصبح معادلاً موضوعياً لرمز سلطوي آخر قابل لإحتمالات عديدة تصب جميعها في النهاية في خانة ممارسة سلطوية أو موالية للسلطة.



ألايتحدث والسائق
عن ضغط الوجد هنا وهناك
واكتئاب الأمل
من العثور على عطر
يغطي رائحة الاحتراق
التي صاحبت
أرق الملك
خوفا من أن يصبح
بعد قليل
بالبيت الأبيض
منتظرا
أن يصحو
على سخرية نجوم


من هنا يبدأ حمدي في التحول إلى سلسلة من الرموز الإستعارية المتوالية التي يفضي أولها إلى آخرها تباعاً ... و أن الصورة الكلية المضفرة بالصور الجزئية المفارقة في أول النص قد بدأت تتحلل إلى رموز مباشرة أو شبه مباشرة أقل تعقيداً من الصور الجزئية التي صاحبت النص من بدايته... فبداية بتأثير المهديء – غير الموجود في الحقيقة – و إنما هو قناع رمزي سلبي تماماً كالنسخة السلبية للصورة الفوتوغرافية التي تظهر نقيض محتواها اللوني ..فليس الليل في حقيقته هنا مستأنساً ولا متفائلاً بأحلام غير نازفة ...نمر إلى سلسلة المتناقضات الأمل / العطر مقابلاً للإحتراق / الفعل القمعي السلطوي المبرر بالخوف من سخرية النجوم ......

 

 

 

 

 

 


لم تجد الوقت
لتتثاءب
أو تغسل بالضوء
ضياع الشارع.!!


و هنا نعود مرة أخرى إلى صورتنا الكلية الجميلة المفارقة لليل حمدي علي الدين ...نعود إلى النجوم كعنصر دلالي في نسيج الليل .. و نستعيد مرة أخرى مشهد الصراع الذي منحه إسقاط رموز الليل والنهار عليه صفة الناموس الأزلي ... فكما أن النجوم عناصر/شخوص في نسيج الليل .. فالضوء هنا عنصر/ أداه من أدوات النهار كمعادل للسلطة الحاكمة.
أود أن أشير هنا إلى أن فضح الرمز و تفسيره بذكر البيت الأبيض قد أساء كثيراً إلى النص ...لأنه قسر إحتمالات التأويل و حصرها في خانة ضيقة بدلاً من أن يكون تعبيراً عاماً عن كل ما هو ثوري مضاداً لكل ما هو سلطوي/ إستعماري ....

 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.