تطالعنا من آن لآخر مقالات لكتاب لم يعد لهم هم غير أن يهاجموا الشعر الحديث و الشعراء الشبان ، حتى صار همهم بذلك أكبر من همهم بكتابتهم للشعر أو ما يعتقدون أنه كذلك ، وتتراوح أوصافهم للشعر الحديث ما بين وصفه بالمتفلت أو المدمر للثقافة الأصيلة أو المعتدي على التراث .. و حتى وصل الأمر إلى التكفير عند البعض مثل قول أحدهم "أن مثل شعارات التجديد والتطوير المزعومين تقود إلى ضرب ثوابتنا الثقافية والطعن في القرآن الكريم دستورنا الخالد" ، و لا ندري على وجه التحديد من الذي أعطى هؤلاء حق الوصاية على الشعر و الأدب غير شيخوخة العقول و الأفهام قبل شيخوخة العمر. و كما اعتدنا دوماً من أمثال هذه النفوس المريضة و العقول المظلمة فنجد الاتهامات تكال و السباب يرص بلا منهج و لا رابط يستدل منه أو به و بلا أي استناد علمي أو حتى منطقي . و كثيراً ما يلجأ هؤلاء إلى الاحتجاج بحادثة العقاد و أحمد عبد المعطي حجازي الشهيرة ..و بمنطق لا تقربوا الصلاة يذكر المحتج واقعة تحويل أعمال حجازي و صحبه إلى لجنة النثر، و يغفل أو يجهل اضطرار اللجنة ذاتها للرضوخ و الاعتراف بشعر التفعيلة فيما بعد . و الواقعة في حد ذاتها ليست حجة على الشعر الحديث و أهله قدر ما هي حجة على العقاد و لجنته ، كما أن لأن العقاد ليس وصياً على الشعر كما أن أحداً لم و لن يكون له الوصاية على الشعر و لو كان الأستاذ العملاق أقل كبراً و غروراً لرفع يده عن الشعر الذي لم يكن ممن يجيدونه يوماً ما و صدق فيه قول أحمد عبد المعطي حجازي : من أي وادٍ عصي الريح تطلبه إن كنت تبكي عليه فنحن نكتبه لكن الغرور الإنساني لم يتح لكبار الأدباء في ذلك العصر و لا لذيولهم الذين صاروا فيما عصرنا أدباء كباراً لسنهم لا لقامتهم أن يتقبلوا ما أتى به الشبان الصاعدون ، فرأينا العقاد يقف منهم موقف الرفض الصارم و نسي أنه كان يوماً شاباً ناشئاً يناطح –عبثاً- أمير الشعراء و يهتف للتجديد و التطور والخروج من أسر ما هو تقليدي و مجتر و مكرر . و صار شباب الأمس أدباء كباراً و دار التاريخ دورته المعتادة فصار من بقي من هؤلاء أديباً له وزنه و قامته .. ساخطاً على ما يجترحه الأدباء الشبان مما أنه تخريب في الشعر العربي الأصيل. على أن إنكار شاعرية حجازي و عبد الصبور و السياب و أمل دنقل و محمد عفيفي مطر و البياتي و محمود درويش و سميح القاسم و كثيرون من جيلهم و من بعدهم ممن لا يتسع المجال لحصرهم هو في حد ذاته إنكار لأدنى معرفة للشعر ، و إنما هي عصبية الجاهلية و كِبر الذين قالوا (هذا ما وجدنا عليه آبائنا و إنا على آثارهم مقتدون) . جميعنا يعرف أن الشعر كان يعد ديوان العرب، بمعنى أنه سجل تاريخهم و حوادثهم و سيرهم، ومجال فخرهم و مادة غنائهم... و تعبيرهم عن أحزانهم و أفراحهم العامة و الخاصة ، أي بمثابة جهاز التلفاز في وقتنا الحالي .. و من نافل القول أن أهمية الشعر التاريخية استمدت جذورها من دور الشعر في تحريك الرأي العام ، فقصيدة كانت تكفي لترفع قبيلة و تخفض أخرى ، و شاعر كان يعلى قوماً و يخفض قوماً .. حتى كان الناس يرشون الهجائين من الشعراء (كالحطيئة مثلاً) ليأمنوا شرهم .. و لم يكن من الممكن و لا من المنطقي أن يظل الشعر العربي على هيئته المتعارف عليها تاريخياً هو الشكل الأوحد المعترف به و المعتمد جماهيرياً و إعلامياً و ثقافياً .. في الوقت الذي لم يعد دوره التاريخي القديم مرتكزاً عليه ، بل تحول إلى وسائط إعلامية أخرى ، و ليس بقاء الشعر بهيئته القديمة لأربعة عشر قرناً على الأقل مسوغاً أو دالاً على أجدريته باليقاء لما بعد ذلك ، حيث لم يكن طوال القرون الأربعة عشر المذكورة صحافة ولا إعلام بالمعنى المتعارف عليه حالياً ، فحتى بعد دخول البث التلفزيوني إلى الأقطار العربية فقد ظلت هذه الوسائل محدودة الانتشار لفترة زمنية ليست بالقصيرة ، يضاف إلى ذلك تحول الغناء إلى اللهجات العامية. كل هذه العوامل كانت سبباً بشكل أو بآخر في تراجع دور الشعر بصفة عامة و بشكله التقليدي بصفة خاصة، و إن ظل الشعر بهذه الصورة مبجلاً مقدساً في أذهان الناس لارتباطه بالتراث و الأجداد.. الأمر الذي يعد سمة اجتماعية مسيطرة على الوجدان الجمعي العربي .. و لتشابك العلاقة بين الشعر- اللغة و اللغة- الدين في بواطن عقولنا. و مع الاقتراب من النضج النسبي للرومانسية و الذي تماس مع بداية التحول إلى الاتجاه الواقعي مع نمو المد الاشتراكي في الوطن العربي أخذ الشعر يتجه إلى نواحٍ أكثر إنسانية ، فقد سقطت منظومة الأغراض تقريباً و أصبحت التجربة الإنسانية المتشعبة هي السمة الغالبة على كتابات الشعراء ، كما كان اندثار الطابع القبلي للكثير من المجتمعات العربية و من بعده المد الثوري و التحول إلى النظام الجمهوري في الكثير من الدول أثر بالغ في تراجع و اندثار الأغراض حيث لم تعد هناك ضرورة فعلية لأغراض مثل الهجاء و الرثاء والمديح و الفخر .. و مع تراجع الخواص الغنائية للشعر العربي لم تعد هناك حاجة للاحتفاظ بالقوالب الإيقاعية العتيقة و الضيقة التي لم تعد تستوعب طاقات و أخيلة الشعراء و التي تفرض عليهم التناول المباشر لتجاربهم الشعرية و تحد من تعميق هذه التجارب بشكل كبير، و كان على الشعراء أن يتحرروا من قيد لم يعد له ما يبرره مع سقوط الضرورة الغنائية للشعر بصفة عامة في الوقت الذي تنامت فيه ضرورة التأمل و التخييل بشكل كبير لا يستوعبه الشكل الإيقاعي .
.
.
الاحد, 09 سبتمبر, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.







