لكل إنسان سليم الحس أن يستمتع و أن ينتشي و أن يطرب لقديم الشعر، الذي هو المعين الفياض لكل مبدع و مثقف ، و هو أمر لا يختلف عليه اثنان ، لكن نوع الاستمتاع يختلف وفقاً لنوعية المتلقي و تكوين ذائقته و ثقافته ، و الاستمتاع بقديم الشعر لا يتناقض مع الخروج عليه و الإتيان ببديل عنه ، و لا يستلزم كذلك الوقوف عند حده و لزوم أفقه دون التطرق و التعامل مع ما خالفه من الشعر فالشعر القديم قام و بني على بنية غنائية لغوياً تطريبة إيقاعاً إعتماداً على إثارة الحواس المباشرة دون إثارة الفكر أو تحفيز الذهن ، و ذلك من خلال النبرة العالية و الخطاب . فالذائقة الجماهيرية بطبيعتها التقليدية ، و نتيجة لتراكمات ما سبق و تحدثنا عنه من دور الأجهزة الإعلامية و التعليمية ، تنشد في الشعر غنائيته و مباشرته ، إذ لم يعد لدى المتلقي صبر لمجالسة الكتاب أو لتحليل شفرات النصوص الأدبية الحديثة ، و لأن الناس دائماً أعداء ما جهلوا و ما لم يعتادوا ، فإن الذائقة الجماهيرية أصبحت تنفر من تلقي الأدب الحديث الذي يخاطب الخيال و الروح ، بدلاً من مخاطبة الأذن و الحواس ، و صارت أميل إلى تلقي القوالب المجانية الجاهزة و المكرورة و التي يجترها شعراء العربية من منذ وجدت العربية و حتى يومنا هذا بدعوى المحافظة و الأصالة ، التي هي الحجة الجاهزة الرائعة لكل راغب عن المحاولة و عن الاعتراف بالجهالة ، و لا زال المتلقون و أنصاف المثقفين يرددون بلا وعي الجمل الاستهلاكية الجاهزة حول الشعر الذي يخاطب الروح مباشرة و ينفذ إلى الوجدان دون عسر ، فيحرك المشاعر و يهيج العاطفة و يطرب الأذن ...بينما الشعر الآخر معقد مطلسم (لأن الشاعر هو الرديء و ليس لأن المتلقي هو المعتز بجهله و الحريص عليه ) كما أنه خالٍ من الإيقاع المبهج الذي يجذب الأذن و يطرب الروح ، ووصل الشطط بالبعض حتى أفتى بعض علماء السعودية بحرمة الشعر الحديث ، و هو أمر مضحك للغاية و أتفه من أن يحتاج لتعليق . في عام 1949 خرجت على الناس الأستاذة نازك الملائكة بكتابها الشهير " قضايا الشعر العربي المعاصر" ، و الذي كان التنظير الأول لما عرف فيما بعد بشعر التفعيلة أو الشعر الحر ، و الذي اعتمد على البحور الصافية و عدم الالتزام بنظام الشطرتين و وحدة القافية و الالتزام بعدد ثابت من التفاعيل في كل بيت ، و قامت الدنيا و لم تقعد بين مرحب و معارض ، غير أن المنطق انتصر في النهاية لحتمية التطور الذي نادت به نازك و جيلها، و الذي خرج عما رسمته هي بطبيعة الحال و كان موضع انتقادها و اعتراضها كما جرت العادة . و منذ هذه اللحظة بدأ الشعر يتخلى عن دوره التطريبي الغنائي ليدخل مرحلة الواقعية الأولى ، ليقاتل من أجل حرية الإنسان و الوطن ، و من أجل مثلث القيم الأفلاطونية التليدة ، في مرحلة غنية بالوطن عامرة بأحلامه و طموحاته و هي مرحلة الستينات ، التي قد يعتبرها البعض آخر العصور الذهبية للشعر العربي حتى إشعار آخر . و كان لانهيار هذه الأحلام و ما تبعها من انهيار للحلم/الوهم الإشتراكي في الشرق الأوسط بعد النكسة أثره الفعال في الثورة و الخروج على كل ما هو مألوف و نمطي ، بل و متعارف على صحته أيضاً ، و في ظل غيبوبة كاملة لأي فعل ثقافي إسلامي أو حتى أخلاقي أو قيمي ، ظهر جيل المهزومين ، جيل السبعينات ، جيل بلا أخلاق و لا مبادئ و لا أساتذة ، و إلى هنا نتوقف حيث لم يعد من هذه اللحظة ثمة توجه أدبي أو ثقافي متزن ، و كل من أصبح شاعراً حقيقياً أثناء ذلك أو بعده ، كان مجرد صدفة استثنائية ، إذا سلمنا بأنه عُرف بعد ذلك شاعر حقيقي أصلاً ، حسناً دعونا نكن محايدين ، و نقول أن جيل السبعينات و هو آخر المعروف و المطروح حالياً لدينا سبق هذ1 كله ، على سبيل الحياد التاريخي و ليس الاعتراف بهذا الجيل ، من وجهة نظري على الأقل ، و للحديث في هذا الصدد موضع لاحق . مع انقضاء حقبة الاشتراكية ، و مع تزايد الشعور العام بالتهميش لدى جمهور المبدعين و المثقفين ، و مع تعاظم الهم الاجتماعي الحياتي بدأ الأدباء يفكرون بشكل مختلف و يكتبون كذلك بشكل مختلف ، و بات من العسير جداً ، بل و من قبيل الترف الفكري و الوجداني أن ينشغل المبدع بقضايا كبرى ،و باتت الصورة الثابتة و المتحركة تنوب عن أي تعبير لغوي و تقطع قول كل خطيب. فضلاً عن ازدياد الشعور بالعجز عن تقديم أي جديد يخص هذه القضايا بخلاف ما بتداوله الناس في أحاديثهم و ما تنقله الصحف ووسائل الإعلام ، فقد بدأ الشعراء يفطنون إلى واقع جديد لم يعد فيه الشاعر مركزاً للكون ، و لم يعد الشعر هو وسيلة الإعلام الرئيسية كما كان في العصور الغابرة ، في ظل وجود وسائل إعلامية و تأريخية أخرى ، و من نافل القول أنه لم يعد مقبولاً أن يظل الشاعر مجرد ورشة لصناعة الأغنية و هو الدور الوحيد الباقي للشعر ، حيث تطورت المفاهيم و الرؤى مع تطور العلوم الإنسانية مثل الفلسفة و علم النفس ، و تطورت المفاهيم البلاغية كذلك عما كان سائداً من قبل ، و بينما استفاد كثيرون من هذه المنجزات الثقافية العالمية ، لازال الغرور العربي الأصيل يمنع البعض من تقبل مثل هذه الإستفادات ، و لا زال هذا الغرور يغطى بتفسيرات مؤامراتية واهية ووهمية . من الواضح إذاً أن الذائقة الشعبية في العالم العربي تخضع خضوعاً تاماً لسيطرة وجهة التوجه الإعلامي العام كما هو الحال في معظم القضايا الثقافية ، ما لم يتعارض ذلك أو يشتبه تعارضه مع القيم المجتمعية الأساسية سواء الدينية أو الاجتماعية. من زاوية أخرى يمكن إرجاع تلوث أو ضحالة الذائقة الجمعية إلى نتائج تراكم الفساد الإداري في الأجهزة الإعلامية العربية الرسمية منذ عصور طويلة ، حيث الغلبة داخل الأجهزة الإعلامية متركزة في الغالب على أصحاب الأفكار السطحية الإستهلاكية و التي تعتمد على الترويح و الإمتاع (التخدير) لا التثقيف ، و ذلك في ظل غياب أو إبعاد أغلب أصحاب المفكرين بصفة عامة و أصحاب التوجهات التجديدية الذين هم غالباً مناوئون للمؤسسات و النظم الحاكمة ، و مع التحول إلى المجتمع النخبوي من جديد في بعض الدول ، و استمرار النخب التقليدية في الإمساك بالسلطة في باقي الدول العربية ، أصبح أغلب الجيل الجديد من الإعلاميين ا هم غالباً من أبناء الإعلاميين القدامى ، أو أبناءو أقارب كبار المسئولين و رجال الأعمال و أغلب هؤلاء لا يملك من الوعي الثقافي ما يؤهله لتولي هذه المواقع ، و من هم بخلاف ذلك فاغلبهم من الحرس القديم الذي لا يملك القدرة على التجديد ، مما يضطرهم إلى الاحتماء بدرع " المحافظة و الأصالة " ، و هذه سنة الحياة الثقافية و ليست عيباً في ذوات معينة التلقي .. مقدمة
عروة بن حزام أفي كل يوم أنت رام بلادها بعينين إنسانا هما غرقان! هو عروة بن حزام بن مهاصر، من بني حزام بن ضبة بن عبد بن كبير بن عذرة شاعر إسلامي، أحد المتيمين الذين قتلهم الهوى، لم يبق من شعره غير غزليات رقيقه مما قاله في عفراء بنت عمه عقال بن مهاصر . وكانا في أول أمرهما طفلين يلعبان معاً، حتى ألف كل واحد منهما صاحبه. وكان عقال يقول لعروة: أبشر، فإن عفراء امرأتك إن شاء الله . على أن أم عفراء لم تكن على الرأي نفسه بل كانت تتمنى لابنتها رجلا ًميسور الحال وافر الثراء لما كانت عليه من جمال الخلقة و كمال الخلق. فلما كبر عروة وبلغ أشده عرف أن رجلاً من قومه ذا يسار ومال كثير يخطبها، فأتى عمه يستعطفه، فرق له وقال له : يا بني أنت معدم وإني لست مخرجها إلى سواك، وإن أمها قد أبت أن تزوجها إلا بمهر غال، فاسع واسترزق الله تعالى. فجاء إلى أمها فألطف القول لها و استعطفها ، فأبت أن تجيبه إلا بما تحتكمه من المهر، وبعد أن يسوق شطره إليها، فوعدها بذلك. وعلم أنه لا ينفعه قرابة ولا غيرها إلا بالمال الذي يطلبونه، فعمل على قصد ابن عم له موسر كان مقيماً باليمن حتى إذا قدم عليه، وصله وكساه، وأعطاه مائة من الإبل، فانصرف بها إلى أهله. وقد كان رجل من أهل الشام قد نزل في حي عفراء وكان ذا مال عظيم ، فرأى عفراء، وكان منزله قريباً من منزلهم، فأعجبته وخطبها إلى أبيها، فاعتذر إليه بما كان بينه و بين عروة من اتفاق ، فعدل إلى أمها، فوافق عندها قبولاً، فأجابته ووعدته ، وجاءت إلى عقال فقالت: أي خير في عروة حتى تحبس ابنتي عليه وقد جاءها الغني يطرق عليها بابها؟ والله ما ندري أعروة حي أم ميت؟ وهل ينقلب إليك بخير أم لا؟ فتكون قد حرمت ابنتك خيراً حاضراً ورزقاً سنياً ، فلم تزل تحتال عليه حتى قبل خطبة الرجل فأجابه وزوجه ، وحولت إليه عفراء . و دخل بها زوجها ثم رحل بها إلى الشام، وعمد أبوها إلى قبر عتيق، فجدده وسواه، وسأل الحي كتمان أمرها . وقدم عروة بعد أيام، فنعاها أبوها إليه، وذهب به إلى ذلك القبر، فمكث يختلف إليه أياماً وهو مضنى هالك، حتى جاءته جارية من الحي فرقت له و أخبرته الخبر ، فتركهم وركب بعض إبله، وأخذ معه زاداً ونفقة، ورحل إلى الشام فقدمها وسأل عن الرجل فدل عليه، فقصده وانتسب له إلى عدنان ، فأحسن ضيافته، فمكث أياماً حتى أنسوا به، ثم قال لجارية لهم: " هل لك في يد تولينيها ؟ قالت: نعم، قال: تدفعين خاتمي هذا إلى مولاتك. فقالت : سوءة لك، أما تستحي لهذا القول؟ فأمسك عنها، ثم أعاد عليها وقال لها: ويحك! هي والله بنت عمي، وما أحد منا إلا وهو أعز على صاحبه من الناس جميعاً ، فاطرحي هذا الخاتم في صبوحها ، فإذا أنكرت عليك فقولي لها: اصطبح ضيفك قبلك، ولعله سقط منه. فرقت الأمة وفعلت ما أمرها به. فلما شربت عفراء اللبن رأت الخاتم فعرفته. فلما جاء زوجها قالت له: أتدري من ضيفك هذا ؟ قال: نعم، فلان بن فلان فقالت: كلا والله يا هذا ، بل هو عروة بن حزام ابن عمي، وقد كتم نفسه حياءً منك ، فدعاه وعاتبه على كتمانه نفسه إياه ، وقال له: بالرحب والسعة، وتركه مع عفراء يتحدثان وأوصى خادماً له بالتنصت عليهما ، فلما خلوا تشاكيا ألم الفراق و مرارته فطالت الشكوى وهو آخذ في بكاء حار، ثم أتته بشراب وسألته أن يشربه، فقال: والله ما دخل جوفي حرام قط، ولا ارتكبته منذ كنت، ولو استحللت حراماً لكن قد استحللته منك وقد أجمل هذا الرجل الكريم وأحسن، وأنا مستحيي منه، و والله لا أقيم بعد علمه مكاني ، وإني عالم أني أرحل إلى منيتي. فبكت وبكى، وانصرف. فلما علم زوج عفراء بما دار بينهما تأثر أشد التأثر فقدم على عروة و هو عازم على الانصراف وقال له: يا أخي ، أتق الله في نفسك، فقد عرفت خبرك، وإنك إن رحلت تلفت، و والله لا أمنعك من الاجتماع معها أبداً ، ولئن شئت لأفارقنها ولأنزلن عنها لك. فأثنى عليه وقال: إنما كان الطمع فيها آفتي، والآن قد يئست، وقد حملت نفسي على اليأس والصبر، فإن اليأس يسلي ، ولي أمور، ولا بد لي من رجوعي إليها. ألا أيها الركب المخبون ويحكم بحق نعيتم عروة بن حزام؟ فلا تهنأ الفتيان بعدك لـــذة ولا رجعوا من غيبة بسلام قال: ولم تزل تردد هذه الأبيات وتندبه بها، حتى ماتت بعده بأيام قلائل. أحمد البربري شاعر و كاتب مصري bareoetic@hotmail.com
لغز الحلاج سقوني و قالوا لا تغن و لو سقوا لعل من أكثر الشخصيات إثارة للجدل و التساؤل في التاريخ الإسلامي كله شخصية الحلاج .. ذلك الرجل الذي لا تجد له حتى مجرد توصيف مناسب، فلم يتمكن أحد حتى الآن من الإثبات قطعاً بكونه زاهداً أو دجالاً محتالاً أو حتى ثائراً مناضلاً كما حلا لبعض الأدباء توظيفه في أعمالهم الأدبية.. كثر الجدل حول الحلاج و بلغ الاختلاف حول حقيقة أمره حد أن وصفه مؤرخ بقامة ابن خلكان بأنه مثل اختلاف الناس في المسيح عيسى بن مريم عليه السلام . فبينما أفتى أكثر علماء عصره و من تلاهم بإباحة دمه ، فقد برأه و دافع عنه بعض من كبار علماء الإسلام الذين لا يستهان بقدرهم أمثال السهروردي والأمام الغزالي .. إضافة على أغلب علماء و رموز الصوفية بطبيعة الحال و من أبرزهم الشيخ محي الدين عبد القادر الجيلي . ولد الحسين بن منصور بالبيضاء بفارس و نشأ بواسط بأرض العراق و صحب النوري و الجنيد فترة ثم رحل إلى مكة و أقام بها سنة لا يستظل تحت سقف صيفاً و شتاء و كان يصوم الدهر و يفطر عند العشاء بشربة ماء و بضع قضمات من قرص مما يصنع بمكة . و عاد الحسين بن منصور بعد ذلك إلى بغداد و اشتهر عنه ما أشعل فتيل فتنة كبرى ، فأظهر الزهد و الورع و أظهر للناس كرامات مثل أن يخرج لهم فاكهة الصيف في الشتاء و فاكهة الشتاء في الصيف ، و يمد يده للسماء فيعيدها و قد ملأت دراهم مكتوب عليها " قل هو الله أحد" ، و يخبر الناس بما يأكلون و ما يصنعون في بيوتهم كما أجمع معظم المؤرخين ، فافتتن به الكثير من الناس و اعتقد بعضهم فيه الحلول وحاشا لله . و كان في سنة 299 أن وُجد في داره رسائل مريبة تحتوي على طقوس عجيبة يوصي بها أتباعه مثل أن من لا يستطيع الحج فإنه يمكنه أن يطوف بداره طوافه بالبيت الحرام عندم يحين موسم الحج و يطعم ثلاثين يتيماً .. إلى غير ذلك من الاختراعات التي ما أنزل الله بها من سلطان . و حوكم الحلاج بتهمة الإلحاد و حكم عليه بألف جلدة ، فإن لم يمت فألف أخرى ..فإن لم يمت فتضرب عنقه . و تلقى الحلاج ألف ضربة سوط دون أن يتأوه كما يروي جلاده ..فلما فرغ من ضربه قطع أطرافه الأربعة ، فكان كلما قطع منه عضو كتب في موضع مسيل الدم : الله الله ، وفي ذلك يقول الحلاج : ما قُد لي طرف ولا مفصل إلا و فيه لكم ذكرُ و ضربت عنق الحلاج و أحرقت جثته و ذري رماده في نهر دجلة الذي فاض فيضاناً عظيماً في هذا العام فنسبه أتباع الحلاج إلى مقتله .. و تضاربت الأقوال حول عودته فمن الناس من قال أنه شوهد هارباً على حمار على طريق النهروان و من الناس من نقال أن الحلاج لم يقتل و إنما ألقي شبهه على عدو له ، و نلحظ هنا درجة التماس بين القصة و سيرة السيد المسيح عليه السلام بما يشي بشبهة التلفيق. و تضاربت الأقوال المنسوبة إلى الحلاج فبينما اشتهرت مقولاته الحلولية :" أنا الحق " " أنا من أهوى و من أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا"، "و ما في الجبة إلى الله " ، و هي الأقوال التي فسرها حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله بكثير من حسن النية على محمل فرط الحب لله عز وجل ، نجد إلى جانب ذلك من أقوال الحلاج نفسه : "من ظن أن الإلهية تمتزج بالبشرية أو البشرية بالإلهية فقد كفر... " ألف الحلاج عددا غير قليل من المؤلفات لا يقل عن الأربعين كما يورد المؤرخون ، و أغلبها في الشريعة و الفقه و التصوف .. غير أنه لم يبق لنا غير مؤلفه الأشهر "الطواسين" .
يعرف حين يرى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مدخل:
في هذه الورقة أستعرض عبر قراءتي للنص المشار إليه مدخلاً مبسطاً لفهم بعض الآليات الشائعة لقراءة النصوص الشعرية، مع ملاحظة أننا نقدم هنا قراءة وليس شرحاً .. فكما أن القصة الجيدة لا يمكن إختزالها .. فكذلك القصيدة الجيدة لا يمكن شرحها .. بل لعل القصيدة التي تقدم طرحاً قابلاً لعدة تأويلات مختلفة قد تحمل من مقومات النجاح ما يفوق سواها.
هامش:
كان تماس الشعر بالفلسفة و الذي تجلى تأثيره ابتداء من العصر العباسي بداية لمنحنى جديد في مسار الشعر العربي، و بدأت ظاهرة الغموض – نسبياً- تظهر في أعمال كبار الشعراء في العصور القديمة كأبي تمام و المتنبي .... و بدأ يتأكد تدريجياً ما صار في أيامنا الحالية شائعاً أن القصيدة الجيدة لا تمنح نفسها كلياً من القراءة الأولى ، و من هنا بدأت قراءة الشعر تتحول إلى عمل شاق و ممتع في الوقت ذاته، إلا أنها في الوقت نفسه بدأت تنأى به عن رضا القاريء التقليدي الذي لا يمتلك وعياً كافياً و خبرة بالكتابة.
بعد إعتقال الليل – حمدي علي الدين
العنوان مدخلاً..
من المتعارف عليه أن العنوان هو بوابة النص الأدبي .. و بالتالي فإن القاريء ينتظر من العنوان أن يمنحه بعضاً من مفاتيح النص و مصابيحه .. و يحتاج في الوقت نفسه لأن يدهشه العنوان و يضيء في عقله علامات استفهام يبحث عما يطفئها داخل النص ... و عادة ما يحاول الشاعر أن يقدم للقاريء ما يطلبه .. أو أن يصدمه بخبث محترف ليفاجئه في النهاية بأن العنوان كان شركاً مخادعاً لتهيئة تضليل المتلقي ليكون مثالياً لاستقبال صدمة دهشة أو مفارقة ما ...
عند استنطاق عنوان (بعد اعتقال الليل) قبل الولوج إلى قصيدة حمدي علي الدين نجد أن العنوان يحيلنا إلى التأهب لاستقبال حالة محملة بهم ثوري رفضي بطلها الرمزي هو الليل،... الليل: ليل العاشقين الساهرين؟ ، أم ليل الرافضين؟، أم ليل اللصوص و المتآمرين؟ ... أم الليل نقيضاً للنهار .. معادلاً للهم الخاص و الكآبة الذاتية؟ أم الليل/ السبات نقيضاً للنهار/ المعاش ؟... و هنا يبدأ لا وعي المتلقي في حذف باقي الدلالات التي قد يستدعيها رمز الليل المتخم بالإحتمالات في حد ذاته ..ليستبقي الإحتمالات التي تدعمها فكرة الإعتقال ... و يبقى التداخل مع بعض الإحتمالات الأخرى قائماً لحين عبور النص...
بعد إعتقال الليل – شعر حمدي علي الدين
الليل مثلي تماما
لايغمض عينيه عن الحزن
عندما ينام
ولايتثاءب كلما يتذكر
أن الشمس تركت له سريرها
في النصف المطلق
من الرفض
هنا ليل حمدي علي الدين الخاص/ العام ...المتخم بالإحالات يربكنا بإستدعاء مزيج من الدلالات اللصيقة بالليل و التي سبق استدعاؤها من العنوان .. ليضعنا أمام حالة من مزيج الدلالات التي تفضي إلى دلالة أخرى أكثر عمقاً الليل معادلاً للروح الشاعرة / المواطنة .. بنبل حزنها و بهمها العام و ثوريتها و بذاتيتها المفارقة و بناسوتيتها التقليدية.
هنا نجد الليل بالإضافة إلى ما تقدم ...حالة مفارقة في ضديتها للنهار بشمسه ... التي يحولها النص إلى معادل لليومي المسيطر الحاكم وصاحب القرار ... فالشمس هي التي تقرر " أن تترك سريرها في النصف المطلق من الرفض" ... الشمس هي التي تقرر حتى ناموس وجودها و وجود الليل ضداً / معارضاً لها .. و في المقابل فإن الليل الثائر لا ينخدع لهذا التنازل السلطوي ...و لا يتثائب راضياً قرير العين ....
ديوك الحداد
تصعد سلم المنازل
أنه سيتناول مثل كل أصدقائه
حبة المهديء
قبل أن يسمع البيان الحكومي
محاولا
كأي عاقل مستأنس
حشو عينيه بأحلام
لاتنزف،
و استمراراً لهذه الحالة المفارقة في مقابلة الليل بالنهار في رؤية الشاعر فإن الديوك التي هي من رموز الإشراق تصبح ديوكاً للحداد ... و تصبح معادلاً موضوعياً لرمز سلطوي آخر قابل لإحتمالات عديدة تصب جميعها في النهاية في خانة ممارسة سلطوية أو موالية للسلطة.
ألايتحدث والسائق
عن ضغط الوجد هنا وهناك
واكتئاب الأمل
من العثور على عطر
يغطي رائحة الاحتراق
التي صاحبت
أرق الملك
خوفا من أن يصبح
بعد قليل
بالبيت الأبيض
منتظرا
أن يصحو
على سخرية نجوم
من هنا يبدأ حمدي في التحول إلى سلسلة من الرموز الإستعارية المتوالية التي يفضي أولها إلى آخرها تباعاً ... و أن الصورة الكلية المضفرة بالصور الجزئية المفارقة في أول النص قد بدأت تتحلل إلى رموز مباشرة أو شبه مباشرة أقل تعقيداً من الصور الجزئية التي صاحبت النص من بدايته... فبداية بتأثير المهديء – غير الموجود في الحقيقة – و إنما هو قناع رمزي سلبي تماماً كالنسخة السلبية للصورة الفوتوغرافية التي تظهر نقيض محتواها اللوني ..فليس الليل في حقيقته هنا مستأنساً ولا متفائلاً بأحلام غير نازفة ...نمر إلى سلسلة المتناقضات الأمل / العطر مقابلاً للإحتراق / الفعل القمعي السلطوي المبرر بالخوف من سخرية النجوم ......
لم تجد الوقت
لتتثاءب
أو تغسل بالضوء
ضياع الشارع.!!
و هنا نعود مرة أخرى إلى صورتنا الكلية الجميلة المفارقة لليل حمدي علي الدين ...نعود إلى النجوم كعنصر دلالي في نسيج الليل .. و نستعيد مرة أخرى مشهد الصراع الذي منحه إسقاط رموز الليل والنهار عليه صفة الناموس الأزلي ... فكما أن النجوم عناصر/شخوص في نسيج الليل .. فالضوء هنا عنصر/ أداه من أدوات النهار كمعادل للسلطة الحاكمة.
أود أن أشير هنا إلى أن فضح الرمز و تفسيره بذكر البيت الأبيض قد أساء كثيراً إلى النص ...لأنه قسر إحتمالات التأويل و حصرها في خانة ضيقة بدلاً من أن يكون تعبيراً عاماً عن كل ما هو ثوري مضاداً لكل ما هو سلطوي/ إستعماري ....
تطالعنا من آن لآخر مقالات لكتاب لم يعد لهم هم غير أن يهاجموا الشعر الحديث و الشعراء الشبان ، حتى صار همهم بذلك أكبر من همهم بكتابتهم للشعر أو ما يعتقدون أنه كذلك ، وتتراوح أوصافهم للشعر الحديث ما بين وصفه بالمتفلت أو المدمر للثقافة الأصيلة أو المعتدي على التراث .. و حتى وصل الأمر إلى التكفير عند البعض مثل قول أحدهم "أن مثل شعارات التجديد والتطوير المزعومين تقود إلى ضرب ثوابتنا الثقافية والطعن في القرآن الكريم دستورنا الخالد" ، و لا ندري على وجه التحديد من الذي أعطى هؤلاء حق الوصاية على الشعر و الأدب غير شيخوخة العقول و الأفهام قبل شيخوخة العمر. و كما اعتدنا دوماً من أمثال هذه النفوس المريضة و العقول المظلمة فنجد الاتهامات تكال و السباب يرص بلا منهج و لا رابط يستدل منه أو به و بلا أي استناد علمي أو حتى منطقي . و كثيراً ما يلجأ هؤلاء إلى الاحتجاج بحادثة العقاد و أحمد عبد المعطي حجازي الشهيرة ..و بمنطق لا تقربوا الصلاة يذكر المحتج واقعة تحويل أعمال حجازي و صحبه إلى لجنة النثر، و يغفل أو يجهل اضطرار اللجنة ذاتها للرضوخ و الاعتراف بشعر التفعيلة فيما بعد . و الواقعة في حد ذاتها ليست حجة على الشعر الحديث و أهله قدر ما هي حجة على العقاد و لجنته ، كما أن لأن العقاد ليس وصياً على الشعر كما أن أحداً لم و لن يكون له الوصاية على الشعر و لو كان الأستاذ العملاق أقل كبراً و غروراً لرفع يده عن الشعر الذي لم يكن ممن يجيدونه يوماً ما و صدق فيه قول أحمد عبد المعطي حجازي : من أي وادٍ عصي الريح تطلبه إن كنت تبكي عليه فنحن نكتبه لكن الغرور الإنساني لم يتح لكبار الأدباء في ذلك العصر و لا لذيولهم الذين صاروا فيما عصرنا أدباء كباراً لسنهم لا لقامتهم أن يتقبلوا ما أتى به الشبان الصاعدون ، فرأينا العقاد يقف منهم موقف الرفض الصارم و نسي أنه كان يوماً شاباً ناشئاً يناطح –عبثاً- أمير الشعراء و يهتف للتجديد و التطور والخروج من أسر ما هو تقليدي و مجتر و مكرر . و صار شباب الأمس أدباء كباراً و دار التاريخ دورته المعتادة فصار من بقي من هؤلاء أديباً له وزنه و قامته .. ساخطاً على ما يجترحه الأدباء الشبان مما أنه تخريب في الشعر العربي الأصيل. على أن إنكار شاعرية حجازي و عبد الصبور و السياب و أمل دنقل و محمد عفيفي مطر و البياتي و محمود درويش و سميح القاسم و كثيرون من جيلهم و من بعدهم ممن لا يتسع المجال لحصرهم هو في حد ذاته إنكار لأدنى معرفة للشعر ، و إنما هي عصبية الجاهلية و كِبر الذين قالوا (هذا ما وجدنا عليه آبائنا و إنا على آثارهم مقتدون) . جميعنا يعرف أن الشعر كان يعد ديوان العرب، بمعنى أنه سجل تاريخهم و حوادثهم و سيرهم، ومجال فخرهم و مادة غنائهم... و تعبيرهم عن أحزانهم و أفراحهم العامة و الخاصة ، أي بمثابة جهاز التلفاز في وقتنا الحالي .. و من نافل القول أن أهمية الشعر التاريخية استمدت جذورها من دور الشعر في تحريك الرأي العام ، فقصيدة كانت تكفي لترفع قبيلة و تخفض أخرى ، و شاعر كان يعلى قوماً و يخفض قوماً .. حتى كان الناس يرشون الهجائين من الشعراء (كالحطيئة مثلاً) ليأمنوا شرهم .. و لم يكن من الممكن و لا من المنطقي أن يظل الشعر العربي على هيئته المتعارف عليها تاريخياً هو الشكل الأوحد المعترف به و المعتمد جماهيرياً و إعلامياً و ثقافياً .. في الوقت الذي لم يعد دوره التاريخي القديم مرتكزاً عليه ، بل تحول إلى وسائط إعلامية أخرى ، و ليس بقاء الشعر بهيئته القديمة لأربعة عشر قرناً على الأقل مسوغاً أو دالاً على أجدريته باليقاء لما بعد ذلك ، حيث لم يكن طوال القرون الأربعة عشر المذكورة صحافة ولا إعلام بالمعنى المتعارف عليه حالياً ، فحتى بعد دخول البث التلفزيوني إلى الأقطار العربية فقد ظلت هذه الوسائل محدودة الانتشار لفترة زمنية ليست بالقصيرة ، يضاف إلى ذلك تحول الغناء إلى اللهجات العامية. كل هذه العوامل كانت سبباً بشكل أو بآخر في تراجع دور الشعر بصفة عامة و بشكله التقليدي بصفة خاصة، و إن ظل الشعر بهذه الصورة مبجلاً مقدساً في أذهان الناس لارتباطه بالتراث و الأجداد.. الأمر الذي يعد سمة اجتماعية مسيطرة على الوجدان الجمعي العربي .. و لتشابك العلاقة بين الشعر- اللغة و اللغة- الدين في بواطن عقولنا. و مع الاقتراب من النضج النسبي للرومانسية و الذي تماس مع بداية التحول إلى الاتجاه الواقعي مع نمو المد الاشتراكي في الوطن العربي أخذ الشعر يتجه إلى نواحٍ أكثر إنسانية ، فقد سقطت منظومة الأغراض تقريباً و أصبحت التجربة الإنسانية المتشعبة هي السمة الغالبة على كتابات الشعراء ، كما كان اندثار الطابع القبلي للكثير من المجتمعات العربية و من بعده المد الثوري و التحول إلى النظام الجمهوري في الكثير من الدول أثر بالغ في تراجع و اندثار الأغراض حيث لم تعد هناك ضرورة فعلية لأغراض مثل الهجاء و الرثاء والمديح و الفخر .. و مع تراجع الخواص الغنائية للشعر العربي لم تعد هناك حاجة للاحتفاظ بالقوالب الإيقاعية العتيقة و الضيقة التي لم تعد تستوعب طاقات و أخيلة الشعراء و التي تفرض عليهم التناول المباشر لتجاربهم الشعرية و تحد من تعميق هذه التجارب بشكل كبير، و كان على الشعراء أن يتحرروا من قيد لم يعد له ما يبرره مع سقوط الضرورة الغنائية للشعر بصفة عامة في الوقت الذي تنامت فيه ضرورة التأمل و التخييل بشكل كبير لا يستوعبه الشكل الإيقاعي .
1- صحيح أن مصطلح قصيدة النثر كان شائعا منذ القرن الثامن عشر. فوفقا لسوزان برنار أن أول من أستخدمه هو اليميرت عام 1777، ووفقا لمونيك باران في دراستها عن الايقاع في شعر سان جون بيرس، أن المصطلح هذا يعود إلى شخص اسمه غارا في مقال له حول "خرائب" فونلي، وذلك عام 1791. وفي دراسة قيمة، صدرت في باريس عام 1936، حول "قصيدة النثر في آداب القرن الثامن عشر الفرنسية"، يتضح أن المصطلح كان متداولا في النقاشات الأدبية. على أن بودلير أحدث تغييرا في مصطلح قصيدة النثر، وأطلقها كجنس أدبي قائم بذاته، بل أول من أخرج المصطلح من دائرة النثر الشعري إلى دائرة النص: الكتلة المؤطرة. ولم يكن اعتراف بودلير بمرجعية اليزيوس برتران في هذا المجال اعتباطيا أو مجرد اعتراف بالجميل، وإنما كان تلميحا إلى "معجزة نثر شعري" كان يحلم بانجازها. ذلك أن اليزيوس برتران، هذا الشاعر الرومانتيكي، قد ترك تعليمات إلى العاملين على طبع كتابه "غاسبار الليل"، أن يتركوا فراغا بين فقرة وأخرى مشابها للفراغ المستعمل عادة في تصميمات كتب الشعر، وبهذا يكون أول من التفت إلى تقديم نص نثري ملموم ومؤطر في شكل لم يُعرف من قبل. كما أن بودلير كان واضحا أنه يعني شيئا جديدا غير موجود، وذلك عندما كتب في رسالته الشهيرة إلى هوسييه، "من منا لم يحلمْ، في أيام الطموح، بمعجزة نثرٍ شعري". إذن من الخطأ الكبير أن نحاول العثور على أشكال لقصيدة النثر البودليرية في ماضي النثر الفرنسي. ذلك أن بودلير في مشروعه نحو لغة شعرية تستطيع ان تتقاطب وما يتجدد مدينيا في شوارع الحياة الحديثة، جعل كل الشظايا والقِطَع التي كتبت قبله، تنام كأشباح في ليل النثر الفرنسي؛ آثارا توحي ولا تُري أية إمكانية نظرية تأسيسية.
2- من الخطأ الشائع اعتبار قصيدة النثر تطورا للنثر الشعري الكلاسيكي الفرنسي وتكملةً له. ذلك أن ما كان يُطلق عليه قصيدة نثر هو أعمال روائية تتوسل محاسن البديع وتستعير إيقاعات النظم، لكي ترتقي إلى مصاف الأعمال الشعرية. بينما قصيدة النثر هي قصيدة أداتها النثر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن، أولا، السبب وراء الفكرة التي تقول أن ظهور قصيدة النثر كان تصديا لطغيان العروض، هو أن النثر، أداة قصيدة النثر، خال من كل قواعد عروضية وبالتالي يمنح حرية أكبر للشاعر لكي يعبر عن انفعالاته الباطنة. وثانيا، أن تصاعد الرومانتيكية أعطى معنى جديدا لمفردة "الغنائية" lyrique. فبعد أن كانت تُطلق على الشعر الذي يُنظم بقصدِ التغنّي به في موضوعات أو الرواية أو السرد القصصي على أوتار القيثارة القديمة المسماة بالليرا أي القيثارة، (وهذا يعني ان عنصر الموسيقى جزء حاسم في صياغتها)... صار لها معنى جديد اعتبارا من الربع الأول من القرن التاسع عشر، هو: الوظيفة المشاعرية كالحسية المُعبَّر عنها بالصور، بالعاطفة الفردية وأحاسيس الفرد الداخلية، وباتت مصطلحا يطلق على كل عمل أدبي حتى النثر (وفقا لقاموس ليتريه) يعبر عن الوجدان والعواطف ومتحرر كليا من مضمرات الموسيقى: واقترِحُ كلمة "الوجدانية" كمقابل لـ Lyrique لكي يتضح هذا التغيير الانقلابي والحداثي في الحسية الشعرية التي مهدت الطريق لظهور قصيدة النثر.
3- قصيدة النثر ولدت على الورقة أي كتابيا، وليس كالشعر على الشفاه، أي شفويا. لم ترتبط بالموسيقى كالشعر ولم يقترح كتابها أن تُغنّى، ولا يمكن أن تُقرأ ملحميا أو بصوت جهوري يحافظ على الوقفة الإيقاعية القائمة بين بيت وآخر/ سطر وآخر كما في قصائد حركة "النظم الحر" (وأقصد Vers Libre، لأن ترجمة هذا المصطلح بـ"شعر حر" يخلق سوء فهم مفاده أن الصراع بين الشعر Poésie والنثر، بينما في الحقيقة الصراع هو بين النثر والنظم).
إن غياب التقطيع أو التشطير في قصيدة النثر يشكل علامتها الأساسية. ففي النظم الحر، في نهاية كل سطر / بيتٍ فراغ يسميه كلوديل البياض.. وهذا البياض هو لحظة تنفس إيقاعي ضروري لجمالية القصيدة المشطّرة، كما يتغير فيها الإيقاع من شاعر إلى شاعر بسبب هذه الوقفة القطع في سير الإيقاع، هذا البياض يمنح القصيدة الحرة هيئتها الشعرية، بينما قصيدة النثر تكتسب هيئتها وحضورها الشعري من بنية الجملة وبناء الفقرة... والبياض غير موجود (رغم وجود الفواصل والعلامات فيها لأسباب يقتضيها بناء الجملة) إلا في نهاية الفقرة التي تجعل القارئ مستمرا في القراءة حتى النهاية. وألا ننسى أن أغلب قصائد النثر تتكون من فقرة واحدة، وبعضها من فقرتين. علينا ألا ننسى أيضا أن "الشعر" كلمة عامة وشاملة يمكن أن تطلق على أي شيء، بينما كلمة قصيدة تدل على وجود مستقل، بناء لغوي قائم بذاته...
4- قصيدة النثر لا يختلف بناؤها عن قصر المتاهة المذكور في الأساطير اليونانية. يمكن لشاعر قصيدة النثر أن يبدأ من أي مدخل يشاء:
"كان يا ما كان... "
"عندما كنا... "
"ذات ليلة، عندما.... "
أو على طريقة الشاعر الصديق عباس بيضون، التي تختار الدخول على نحو مفاجئ:
"الأربعة النائمون على الطاولة وسط الجبال لم يشعروا بخيال الطائر وهو يتضخم في الغرفة.."
المدخل إذن سهل جدا، ما هو صعب المنال في كتابة قصيدة النثر هو الخروج/ نهاية القصيدة. لا يكفي أن تعرف كيف تبدأ فحسب وإنما عليك أن تعرف كيف تخرج من، أي تختم، القصيدة، كما يقول روبرت بلاي.
5- شاعر قصيدة النثر يَعرفُ مسبقا وذهنيا وإلى حد ما حجم الكتلة/ مساحة القَصر. ذلك أن قَصر المتاهة بناء مكون من حيطان تتعاقب وتتقاطع؛ قصيدة النثر فقرة مكونة من جمل تتلاحق بحدةٍ شديدةٍ هبوطا وصعودا، مما تدفع القارئ إلى أن "يستقرئ العواطف البعيدة أو يجسّ الرِعدات الدقيقة... مستضيئا بالجملة اللاحقة ليُبصر السابقة"، كما قال بشر فارس في تلخيصه عن نوع من القصة القصيرة دون أن يدري انه كان يعرف قصيدة النثر.
6- على أن هناك عنصرا مكونا أساسيا الذي فقط من خلاله يمكننا أن نُميز قصيدة النثر عن باقي الكتل، النصوص والأشعار النثرية. إنه اللاغرضية (والبعض يترجم gratuité بالمجانية). وهو أشبه بالخيط الذي أعطته أريان إلى ثيسيوس الذي بقي يتتبعه حتى عرف طريقه الى المخرج من المتاهة.
الاختصار brièvetéإذن، هو نتيجة تقاطب عنصرين اساسيين يعملان داخل قصيدة النثر، كل وفق حركته؛ قاعدته: الحدّة intensité حيث السرد المتحرك المنقطع السلك بين حائط وآخر، جملة وأخرى، يشدنا بسلسة واحدة من البداية حتى النهاية دون أي تباطؤ.. واللاغرضية gratuité ، هو سلك الخيط الذي يقود من المدخل / البداية إلى المخرج /الخاتمة وعلينا أن نتتبعها، وإلا سنضيع في متاهة نثر شعري له ألف رأس وألف ذيل، بينما غايتنا كتلة "لا رأس لها ولا ذيل" كما وضح بودلير..
تكمن شعرية قصيدة النثر في هذه اللاغرضية... المجانية. فالنثر بحد ذاته غير قادر على التخلص من وظيفة الوصف بغرضية منطقية. فبفضل عنصر اللاغرضية، يتخلص السرد الذي هو سمة رئيسية في قصيدة النثر، من جفوته، ومنطقيته النثرية، فهو هنا ليس وصف مخطط روائي يريد أن يصل إلى نتيجة ما، وإنما لغرض فني جمالي محض. عندما يبدأ أنسي الحاج قصيدة له بـ"ذلك العهد يدُ ماموت لم تكن ظهرتْ..." "ذلك العهد" ليس هنا لغاية سياقية تاريخية معلومة، وإنما لخلق إيحاء جمالي لحدث غير موجود.
7- يجب ألا نخلط بين قصيدة النثر والشظية الفلسفية كما عند نيتشه، ففي هذه الشظايا/ الكتل النثرية القصيرة، ثمة قصد فلسفي وغرضية واضحة، أو متسترة وراء موعظة ما. قصيدة النثر هي النثر قصيدةً: كتلة "يتأتى قصَرُها من نظامها الداخلي، ومن كثافتها النوعية ومن حدتها المتزنة". ليس لها أية غرضية، بل خالية من أي تلميح إلى مرجع شخصي: كتلة قائمة بذاتها.. أو كما كتب الشاعر الفرنسي ادموند جالو عام 1942، "قطعة نثر موجزة على نحو كاف، منتظمة ومرصوصة مثل قطعة الكريستال يتلاعب فيها مائة انعكاس مختلف... إبداع حر لا ضرورة أخرى له سوى متعة المؤلف، خارج أي تصميم ملفق مسبقا، في بناء شيء متقلص، إيحاءاتُه بلا نهاية، على غرار الهايكو الياباني"
7- "تنطوي قصيدة النثر" النثر، كما تقول سوزان برنار، "في آن على قوة فوضوية، هدامة تطمح إلى نفي الأشكال الموجودة، وقوة منظِمة تهدف إلى بناء (كلٍّ) شعريٍّ؛ ومصطلح قصيدة النثر نفسه يُظهرُ هذه الثنائية". في قصيدة النثر، إذن، توتر كامن يطيح بأية إمكانية توازن بين نقيضين بقدر ما يحتضنهما. وهذا يعني أن قصيدة النثر، كما تقول بربارة جونسن في دراستها الرائدة عن ثورة بودلير الثانية، تتسم بقوتين: إذا الشعرُ هو عَرْضٌ ذو سمة بمواجهة النثر كعرض بلا سمة واضحة، فقصيدة النثر إذا، تتميز بقوتين متعارضتين: حضور ضد غياب السمة و"إحالة الى قانون الشعر" ضد "إحالة الى قانون النثر"... فقصيدة النثر لا هي نقيض ولا هي توليف، إنما هي المجال الذي اعتبارا منه تبطل وظيفة الاستقطابية وبالتالي التناظر بين الحضور والغياب، بين الشعر والنثر".
ومن هنا يتفق معظم النقاد على أنهم أمام جنس أدبي شاذ غرضه تهديم الأنواع genres . ناهيك من أن شكلها الوحيد الأوحد، ينطوي أيضا على بعد تهديمي بصري وبالتالي مفهومي، يقوم بنسف الأفكار المسبقة والعادات المفهومية لدى القارئ الذي ما أن يرى أبياتا أو عبارات مقطعة حتى يصرخ أنها قصيدة، إذ في نظره ليست نثرا.
8- سيداتي سادتي: ما هي قصيدة النثر؟ إنها كل هذا وليس. لكن الشيءَ المؤكد هو انها نقيض قصيدة النثر العربية السائدة التي لا تلبي مطلبا واحدا مما أتفق جل النقاد عليه، رغم كل الاختلافات بينهم، بشأن قصيدة النثر. هناك أنماط من قصيدة النثر: البارناسية، الرمزية، التكعيبية، السوريالية، الظاهراتية، والأمريكية الغارقة بقضية اللغة والسرد الغرائبي. لكن في كل هذه الأنماط، الشكل واحد أوحد: كتلة قوامها نثر متواصل في جمل تجانس أي نثر آخر.
9- بطبيعة الحال يحق لكل شاعر أن يكتبَ كلٌ وفق نبض أحاسيسه وصوته الخاص، وليسمّ مخلوقاتَهُ كما يشاء، فقط عليه أن يَعرفَ إن مصداقية الشكل والمضمون هي عين ثقة الشاعر بما يقول. وقد يعترض شاعر على أن التسمية ليست ضرورية، ربما، لكن لماذا يسمي "قصيدة نثر" عملا اعتنى بتقطيعه موسيقيا متوسلا كل المحاسن البديعية التي ترفضها قصيدة النثر... بل حتى شدد على وقفات تُعتبر عاملَ بطءٍ إذا استخدمت في كتلة قصيدة النثر؟ أليس اعتباطا أن يسمّيَ شاعرٌ يكتب عادةً أشعارا موزونة، كلّ قصيدة لا يتمكن من ضبطها عروضيا، قصيدة نثر وليس شعرا فحسب! وكأن الشعرَ في نظره ليس سوى تفعيلات قُررت سلفا.
10- رفض الحدود المرسومة لا يتم إلا عندما يعرف الشاعر ما هي هذه الحدود، وبماذا تتميز... حتى يكون لرفضه فضاؤه هو، مُنقى من كل شوائب التسميات التي كانت من طبيعة تلك الحدود المرفوضة. لقد وقف بروتون ضد فكرة الأجناس الأدبية، معتبرا أن الشعر تعبيرٌ عن استرداد المخيلة البشرية لحقوقها، وليس جنسا أدبيا خاضعا لقوانين مدرسية.... ومن هنا لم يسمّ كـُتـَلهُ النثرية قصائد نثرية رغم أن النقادَ يعتبرون بعضَها قصائدَ نثرٍ بامتياز!
إن الإصرار على تسمية عمل جوهرُه يتعارض، شكلا ومضمونا، مع ما يتميز به هذا الاسم، لهو في نظري، تعبيرٌ عن اعتباطية العمل نفسه.
و تتجلى أهمية حضور الهوية الإسلامية في الإبداع الأدبي في ضرورة مجابهة التيار اللاأخلاقي المسيطر على التوجه الأدبي المعاصر و الذي يعكس بدوره انهزام المجتمع و تفككه. و برغم الرفض العام الذي يكنه الواقع الثقافي للكتابات التي توصف بأنها "رسالية" أي ذات رسالة مباشرة -و من ضمنها الأدب الإسلامي – فإن أحداً لم يجد غضاضة في قبول بعض الأعمال التي يمكن أن تندرج تحت وصف "أدب مسيحي" مثل الكثير من أعمال إدوار الخراط على سبيل المثالً ... و بالطبع لا يملك أحد الإعتراض أمام القدرة الفنية الهائلة التي يمتلكها الخراط موظفاً إياها بشكل فني في أعماله ... مقابل كم مهول من التسطيح و المباشرة و الركاكة الفنية في أغلب الأعمال التي توصف بأنها "أدب إسلامي" لصالح الجانب الخطابي الأخلاقي و الدعوي. برأيي الإشكالية الأساسية التي تواجه المفهوم الحالي للأدب الإسلامي هي محاولة قسر مفهوم الأدب الإسلامي كنموذج أوحد معترف به و تجاهلها التام للقيمة الجمالية للنص الأدبي و التي يحكمها عنصر اللغة بالأساس، حيث تتباين المفاهيم الجمالية من لغة لأخرى بداهةً ، و بالتالي لا يمكن أن تكون المظلة الإسلامية هي الغطاء الأشمل للإبداع المقبول مالم تكن متوائمة مع التصنيف اللغوي للإبداع، و من ثم يمكن أن نقول بأن هناك أدباً إسلامياً عربياً و أدباً إسلامياً هندياً ... و ما إلى ذلك. و على صعيد الجماليات اللغوية فما زال أنصار الأدب الإسلامي يتشنجون بشكل مبالغ فيه للتعاريف البلاغية القديمة، مما يعني بالضرورة إنكار و رفض كل المفاهيم الجمالية الحديثة لمجرد الإشتباه "بغربية" المصدر، و هو تصور قاصر في الحقيقة .. فعلى مدار القرون الماضية لم يكن الأدب العربي مستقلاً و قائماً بذاته كلية و إنما استفاد بشكل كبير من الآداب الأخرى و طوع ما يلائمه منها ليصب في روحه العربية أنفاساً جديدة. و برأيي أن الإصرار على الإنغلاق على ما هو قديم هو من قبيل المكابرة و عدم الإعتراف بالتخلف الذي اعترى إبداعنا العربي الذي يعتبر من أقدم الآداب في العالم ، و مع ذلك فهو الأدب الوحيد في العالم الذي احتاج أكثر من أربعة عشر قرناً ليتخلص من القدسية غير المبررة للبنية الإيقاعية للشعر. أما على صعيد الأدب الإسلامي فما زال شعر التفعيلة الذي تحرر جزئياً من ربقة القيد الضيقة يلقى قبولاً حذراً و محدوداً جداً ، بينما ما زالت قصيدة النثر تعد من المنكرات و الكبائر. كل هذه الإشكالات أدت إلى إنعزال الأدب الإسلامي و اغتراب الأديب الإسلامي عن الواقع الثقافي ، بالإضافة إلى غربة الأديب الذي يقدم إبداعاً راقياً و ملتزماً أخلاقياً ، فلا الليبراليون المسيطرون على الواقع الثقافي يقبلونه ، و ليس ثم مكان له تحت مظلة الأدب الإسلامي التي إن قبلته فإنها لن تدعمه في ظل حاجتها الخاصة إلى الدعم. برأيي أن الأدب الإسلامي بحاجة إلى مراجعة كاملة لمفاهيمه ليكون قادراً على التواجد أولاً ثم البقاء، فعلى المستوى الفكري لم يعد الأسلوب الخطابي الوعظي المباشر مقبولاً أو مستحباً ، بل أنه يصير ثقيلاً على النفس في كثير من الأحيان لما فيه من روح الوصاية و الفوقية ، و إنما يجب تجاوز ذلك إلى أفق أنساني رحب يتكيء على آليات فنية راقية ليقوم بتمرير المفاهيم الإسلامية بشكل فني عميق ، و هنا تتجلى صعوبة الكتابة الإسلامية في الحقيقة إذ أنها تحتاج إلى مقدرة فنية عالية و خبرة جمالية كبيرة. كما يجب أن يتسع نطاق التجربة الإسلامية لتتجاوز الحد الدعوي للكتابة الأدبية ، فمثلاً نجد أن الكتابات الغزلية (عفيفة كانت أم فاضحة) تلقى درجات متباينة من الإمتعاض الذي لا يبرره إلا التزمت الشخصي لأصحابه ، فتراثنا الأدبي يحفل بالكتابات الغزلية التي ليس فيها ما يخدش الحياء أو يخالف شرع الله ، و من منا لم يقرأ لامية كعب التي استغلها بالغزل في حضرة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و برغم ذلك لم يلق ذلك امتعاضاً من جانب النبي الكريم ، برغم أنه لم يكن يليق أبداً أن يستهل نص يمتدح خلق البرية بأبيات من الغزل. و على المستوى الجمالي فأرى أنه يجب أن يكون حاوياً لكل الأشكال و الأجناس الأدبية دون تمييز أو تحيز مسبق ، حيث أنه لا يوجد شكل يفرض قيمه الأخلاقية كما يتصور البعض ، و إنما الكاتب هو من يفرض هذه القيم من خلال تطويعه للشكل الفني.
<<الصفحة الرئيسية







